فصل: مسألة يبيع العبد من الرجل إلى أجل ويتخذ عليه يمينا أن يوفيه الثمن إلى أجل فيوجد بالعبد عيب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قال لامرأته أنت طالق البتة إن خرجت إلى دار فلان إلا بإذني:

وقال: إذا قال لامرأته أنت طالق البتة إن خرجت إلى دار فلان إلا بإذني ثم قال لها اخرجي إلى حيث شئت أو اخرجي إلى دار فلان تلك متى شئت أو كلما شئت: أنه لا شيء عليه، وإنما تفسير مسألة مالك إلى موضع إنما ذلك إلى موضع من المواضع فإن ذلك لا ينفعه وإن أذن لها؛ لأنه إنما أراد إلى موضع من المواضع يعلمه إلا أن يأذن لها عند كل ما ينوبها الخروج إلى موضع وتخبره بالمكان وإلا حنث، وقال في سماع يحيى بن يحيى من كتاب الصلاة: وتخبره بالموضع التي تستأذن إليه وإلا حنث.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا حلف على امرأته ألا تخرج فليس لها أن تخرج إلى موضع من المواضع وإن أذن لها، وإذا حلف ألا يأذن لامرأته أن تخرج فلها أن تخرج حيث ما شاءت إذا لم يأذن لها، وإذا حلف ألا تخرج إلا بإذنه ولم يقل إلى موضع ولا إلى موضع من المواضع فيجزيه أن يقول لها اخرجي حيث شئت أو كلما شئت، فيكون لها أن تخرج حيث شاءت وكلما شاءت ولا يحنث، فإن أذن لها إلى موضع بعينه فذهبت إلى غيره حنث، فإن ذهبت إليه ثم ذهبت منه إلى غيره فقيل لا يحنث وهو قول ابن القاسم في الواضحة وقيل يحنث وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد وقول أصبغ في نوازله، وقال في الواضحة فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وان رجعت من الطريق لشيء نسيته وما أشبه ذلك من شيء تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول فقيل يحنث وقيل لا يحنث، اختلف في ذلك قول ابن القاسم، فله في سماع أبي زيد أنه لا يحنث وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن نافع، وله في الواضحة أنه يحنث وهو قول أصبغ وأما إذا حلف ألا تخرج إلى موضع من المواضع إلا بإذنه أو قال إلى موضع ولم يقل من المواضع فأذن لها إلى موضع بعينه فخرجت إلى غيره أو إليه وإلى غيره حنث، وإن رجعت من الطريق لحاجة غير تاركة الإذن ثم خرجت عليه ثانية فعلى ما تقدم من الاختلاف، وإن قال لها اخرجي حيث شئت فقيل لا يجزيها عن الإذن وليس لها أن تخرج حتى تستأذنه في كل مرة وتعلمه بالموضع الذي تخرج إليه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك هاهنا وهو قول مطرف وأصبغ، وقيل يجزيها عن الإذن لها أن تخرج بغير إذنه إلى حيث شاءت؛ لأنه قد عم في الإذن لها وهو قول ابن الماجشون وأشهب فإن رجع عن الإذن بعد أن أذن لها فقال لها لا تخرجي فخرجت على الإذن الأول حنث، وقد قيل إنه لا يحنث، وقد مضى ذكر الاختلاف في هذا المعنى في رسم يوصي فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة قال يميني في يمينك ولم يبين شيئا حين قال ذلك له فحلف فأنكر ذلك:

قال عيسى قال ابن القاسم: في رجل قال يميني في يمينك ولم يبين شيئا حين قال ذلك له، فحلف بطلاق امرأته أو عتاق فأنكر ذلك وقال: لم أرد أن أحلف بهذه الأيمان.
قال: إذا كان حين أنكر إنما كان يظن أنه يحلف بالله ولم يكن إرادته طلاقا ولا عتقا فأنكر لم يلزمه، ولو أنه حين قال يميني في يمينك رضي بما حلف مسلما ذلك له ولم يحول شيئا من شيء ولم يرعه لزمه اليمين ولم أر إنكاره ينفعه شيئا إذا كان حين قال له يميني في يمينك لم ينو شيئا ولم تحضره النية في اليمين.
قال محمد بن رشد: قد مضى بيان القول في هذه المسألة وما يجب أن تحمل عليه الروايات فيها فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأته إن ولدت غلاما فلك مائة دينار وإن ولدت جارية فأنت طالق:

وقال في رجل قال لامرأته إن ولدت غلاما فلك مائة دينار، وإن ولدت جارية فأنت طالق، إن الطلاق قد وقع عليه وأما المائة فلست أرى أن يقضى بها لأنها هنا ليست بصدقة ولا هبة ولا على وجه ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إن الطلاق قد وقع عليه، يريد أن الحكم يوجب أن يعجل عليه لأنه قد وقع عليه بنفس اللفظ حتى لو مات أحدهما بعد ذلك لم يتوارثا وهذا قول مالك في المدونة في نحو هذا أنه يعجل عليه بالطلاق ولا يستأنى به حتى ينظر ما تلد وقال ابن الماجشون وسحنون إنه يستأنى به، وقد مضى القول في ذلك في رسم يوصى وأما قوله في المائة إنه لا يقضى بها فحمله محمل العدة لما لم يقل في مالي ولا ذكر أنها هبة ولا صدقة ولا عطية فلذلك قال إنه لا يقضى بها إذ ليست على سبب هو من فعل الموعود، والأظهر من هذا اللفظ التبتيل وأن يحمل على أنه أراد ذلك في مالي مائة دينار عطية، فيحكم لها عليه بها ما لم يذهب أو يمت أو يفلس، كما قال غير ابن القاسم في كتاب الشركة في الذي يقول: لك ما أربح في هذه السلعة وإنما العدة أن يقول الرجل أنا أفعل، وأما إذا قال قد فعلت فهي عطية، وقوله لك كذا وكذا أشبه بقد فعلت منه بأنا أفعل وبالله التوفيق.

.مسألة حلف ألا يكلم رجلا فمر به وهو نائم فقال أيها النائم الصلاة فإذا هو المحلوف عليه:

وقال في الرجل يحلف ألا يكلم رجلا فمر به وهو نائم فقال: أيها النائم الصلاة، فرفع رأسه فإذا هو المحلوف عليه.
قال أراه حانثا قال وإن كان نائما مستثقلا لا يسمع كلامه فأراه أيضا حانثا، وهو بمنزلة الأصم يكلمه ولا يسمع فهو حانث إذا كلمه وإن لم يسمع الأصم كلامه، أرأيت لو أن رجلا حلف ألا يكلم رجلا فكلمه وهو مشغول يكلم إنسانا آخر أما كان حانثا؟. قال: هو حانث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن تكليم الرجل الرجل هو أن يعبر له عما في نفسه بلسانه عبارة يفهمها السامع، فإذا فعل ذلك فقد حصل مكلما له، فوجب أن يحنث عرفه أو لم يعرفه، ناسيا كان ليمينه أو ذاكرا لها، سمعه أو لم يسمعه إذا كان منه بحيث يمكن أن يسمعه؛ لأن يمينه تحمل على عمومها في جميع ذلك إلا أن يخص شيئا منه بنية أو استثناء فيكون ذلك له ويصدق فيه فيما يحكم عليه به إن جاء مستفتيا وأما إن كان بموضع لا يمكن أن يسمع كلامه فلا يحنث لأنه ناعق وحده غير مكلم له، وهذا ما لا خلاف فيه أحفظه من المذهب، وقد مضى في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب القول إذا كلم غيره وهو يريد أن يسمعه وما يتعلق بذلك من الكتاب والرسالة وفي ذلك بيان لهذه المسألة وتتميم لها، فليقف عليها من شاء في موضعها.

.مسألة يقول لامرأته أنت طالق البتة أنت طالق البتة أنت طالق البتة إن أذنت لك إلى موضع كذا:

وقال في الرجل يقول لامرأته أنت طالق البتة، أنت طالق البتة، أنت طالق البتة إن أذنت لك إلى موضع كذا وكذا.
قال مالك: هو حانث أذن لها أو لم يأذن لها، قال ابن القاسم: كنت أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد إلا أن يسمعها اليمين يرددها عليها، فإن حلف دينته وإلا رأيته حانثا، وقد سمعت مالكا يراه حانثا ولا يدينه ويقول: وما هو عندي بالبين، قال ابن القاسم: وإنما عنى مالك خوفا أن يكون نادما أن يكون طلقها أولا البتة ثم ندم فأردف شيئا في كلامه يريد أن يتدارك ما ندم عليه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم فيكتفى بذكره هناك عن إعادته هنا مرة أخرى وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأته إن ولدت غلاما إن لم أحج بك فأنت طالق فولدت غلاما فأبت الحج:

وقال في رجل قال لامرأته إن ولدت غلاما إن لم أحج بك فأنت طالق فولدت غلاما فأبت الحج.
قال إن كان ذلك منه على وجه أن يوفي لها به، مثل أن تسأله إن ولدت غلاما أن يفعل كذا وكذا فحلف ليفعلن فإذا عرض ذلك فأبته فلا شيء عليه، وأما أن يكون أعلن يمينه لمن ولدت لأفعلن كذا وكذا وليس ذلك منه على وجه العطية لها رأيت ذلك يلزمه وإن أبت أجبرها على الحج.
قال محمد بن رشد: زاد في كتاب ابن المواز وإن كان ذلك منه على وجه العطية لله لا على وجه العطية لها لزمه أن يخرج بها ويكرهها ولم يتكلم إذا لم تكن له نية ولا كان ليمينه بساط يحمل عليه، والذي يأتي على أصولهم أنه إن لم تكن له نية فهو حانث إن لم يخرج بها وإن ادعى أنه أراد بذلك العطية لها صدق في ذلك وإن كانت على يمينه بينة إذ لا يتهم في ذلك لإرادته الخروج بها وإبايتها هي وستأتي المسألة متكررة في أول سماع أبي زيد وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بطلاق امرأته البتة إن كلم فلانا إلا ألا يعرفه، فكلمه وهو يعرفه ناسيا ليمينه:

قال: وسئل مالك عمن حلف بطلاق امرأته البتة إن كلم فلانا إلا ألا يعرفه، فكلمه وهو يعرفه ناسيا ليمينه، قال: قد حنث، ومن حلف ألا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فقد حنث.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ: وهذا كما قال لأن يمينه تحمل على عمومها في المعرفة والجهل والنسيان والعهد والإسماع وغير الإسماع إلا أن يخص من ذلك شيئا بنية أو استثناء فيكون ذلك له، وقد مضى هذا فوق هذا وبالله التوفيق.

.مسألة يقول لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول لدار يسكنها فأنت طالق:

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار:
وسئل ابن القاسم عن الذي يقول لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول، لدار يسكنها فأنت طالق فينقضي كراؤه فيريد أهل الدار أن يخرجوه قبل السنة ويعزموا على ذلك.
قال: كل من حلف بمثل هذه اليمين فأخرجه أمر لم يكن له بد منه مثل سيل أو خوف عليه أو هدم أو إخراج من صاحب الدار له، فلا حنث عليه واليمين يلزمه حيث ما تحول، ليس لها أن تخرج من المسكن الذي يتحول إليه إلى رأس السنة، فإن خرجت قبل ذلك فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يحنث بإخراج أهل الدار له ولا بكل ما كان في معناه مما يغلب عليه صحيح لا اختلاف فيه، وقد مضى ذلك والقول فيه في رسم أوصى وفي المواضع المذكورة فيه، وقد قال ابن دحون: إنه لو أخرجها هو نفسه لم يحنث لأنه إنما أراد صيانتها فإذا أخرجها هو لم يحنث إلا أن تكون له نية في إكراهه هو إياها على الخروج؛ لأن من قولهم أن من حلف إلا تخرج امرأته ولم يقل إلا بإذني فهو حانث وإن خرجت بإذنه، وقد مضى ذلك في الرسم الذي قبل هذا وسيأتي في رسم أسلم لفظ محتمل للتأويل سنبينه عليه إذا مررنا به إن شاء الله.
وقوله أيضا: إن اليمين تلزمه حيث ما تحول إليه صحيح ولا يراعى في ذلك تعيينه الدار بقوله هذا إن خرجت من هذه الدار؛ لأن المعلوم أنه إنما أراد صيانتها عن الخروج من دار سكناها إلا أن يكون إنما كره خروجها من تلك الدار بعينها لشيء يختص بها ويعلم ذلك ويدعي أنه نواه ويأتي مستفتيا فيصدق فيه وبالله التوفيق.

.مسألة قال امرأته طالق إن دفعت إليكم منهما إلا حقكم:

وسئل عن رجل هلك وترك إخوة مفترقين فقسموا ميراثهم ورجل منهم غائب، فلما قدم دفعوا إليه حقه وبقي له ديناران، فقال: هما لكم خذوهما، فقال الذي يقسم بينهما: امرأته طالق إن دفعت إليكم منهما إلا حقكم، قال ابن القاسم: أرى أن يقسم للذكور والإناث سواء، وكذلك سمعت.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال لأن الواهب قد شرك بينهم فيها على السواء بظاهر قوله: هما لكم، إلا أن يقول إنما أردت أنهما لهم على قدر مواريثهم فيصدق في ذلك، فإن كان لم يفت سؤاله كشف عن إرادته في ذلك وبالله التوفيق.

.مسألة كان مع ختنته في سفر فشجر بينهما شيء فحلف بطلاق امرأته ثلاثا ألا يصحبها:

وسئل عن رجل كان مع ختنته في سفر، فشجر بينهما شيء فحلف بطلاق امرأته ثلاثا ألا يصحبها بعد سفرهما ذلك.
قال: إن كان نوى أن يردها إلى منزلها ولا يصحبها بعد ذلك فله ما نوى، وإن كان لم ينو شيئا فلا يرجع معها ولا يرجع يصحبها في سفر.
قيل له: فإن عرض لها سفر بعد زمان إلى أرض لهما جميعا فيها حاجة واحدة فركب البحر الختن وسارت الختنة في البر وتواعدا أن يجتمعا حيث حاجتهما.
قال: إن كان نوى ألا يخرج معها في سفر يقوم لها فيه بحاجة أو ينفعها بنافعة، وعلى ذلك وقعت يمينه فإني أخاف أن يحنث، وإن كانت يمينه إنما وقعت على ألا يكون معها على طعام أو راحلة أو صحبة أو نحو هذا مما يحلف عليه فلا أرى عليه شيئا إذا لم يصحبها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه إذا حلف ألا يصحبها بعد سفرها ذلك لشيء شجر بينهما فيه فلا يصحبها من حين حلف إلا أن يكون نوى أن يردها إلى منزلها ولا يصحبها في سفر آخر؛ لأن قوله بعد سفرها ذلك إلى انقضائه برجوعه إلى منزله فإذا لم تكن له نية حمل على أنه إنما أراد بعد سفرها إلى حيث بلغا منه لأن ما شجر بينهما فيما مضى من سفرهما غير مأمون عليهما فيما بقي منه، وهو الذي من أجله كانت يمينه، وأما تواعدهما في سفرة أخرى على الاجتماع حيث حاجتهما فذلك على ما نواه أو خرجت يمينه عليه على ما قال، فإن لم يعلم ليمينه سبب ولا كانت نية فهو حانث وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا إلا أن يقدر فأنت طالق:

وسئل عن رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا إلا أن يقدر فأنت طالق.
قال: إن فعله فهي طالق.
قال محمد بن رشد: لأشهب في المجموعة أنه لا شيء عليه وهو الذي يوجبه القياس والنظر؛ لأن قضاء الله ومشيئته هي إرادته فلا فرق بين الاستثناء بقدر الله وقضائه وبين الاستثناء بمشيئته، وابن القاسم يفرق بين ذلك فلا يرى استثناء في اليمين بالله عاملا بقضاء الله ولا بإرادته، قال ذلك في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور، وقد ذكرنا هنالك وجه ذلك، فعلى ذلك يأتي قوله في هذه المسألة إن امرأته طالق إن فعل ولا ينتفع بقوله: إلا أن يقدر، ولو قال: إن فعلت كذا وكذا إلا أن يشاء الله فأنت طالق لنفعه استثناؤه عند الجمع، إذ قد نص على رد الاستثناء إلى الفعل بذكره عقيبه قبل الطلاق، وما روي عن ابن القاسم من أن الاستثناء بمشيئة الله في اليمين بالطلاق، غير عامل، وإن رده إلى الفعل، معناه إذا ادعى ذلك مع قيام البينة عليه فلا يصدق في ذلك خلافا لابن الماجشون، وقد قال ابن دحون: إنه لو قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا إلا أن يشاء الله فأنت طالق ففعلته لكان حانثا على قياس هذه الرواية لأنه معلوم ألا يفعل فعلا إلا بقدر من الله ومشيئته فذكره لذلك لا ينفعه وكأنه لغو، ووجه ما ذهب إليه أن هذا هو الأصل، فخصت السنة من ذلك الاستثناء بمشيئة الله في اليمين بالله وبقي ما عداه على الأصل لا ينفع فيه الاستثناء، وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بطلاق امرأته ألا يسأل رجلا حاجة:

وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يسأل رجلا حاجة، فأتاه رجل فسأله أن يطلب إلى ذلك الرجل حاجة له قبله، فقال له: إن علي يمينا ألا أسأله حاجة، ولكن كلم ابني فإنه يقوم مقامي لك في ذلك، قال: ليس عليه في ذلك حنث إلا أن يكون يأمر هو ابنه أن يقوم للرجل في ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه إذا لم يأمر هو ابنه أن يطلب الحاجة من ذلك الرجل لذلك الرجل فلا حنث عليه، وقوله: إلا أن يكون يأمر هو ابنه أن يقوم للرجل في ذلك معناه فيحنث، وهذا على القول بأن من حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا فهو حانث إلا أن يكون نوى مشافهته، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب.

.مسألة قال امرأته طالق إن لم أهدم هذا البيت أو أكل هذا الطعام أو نحو هذا:

وسئل عن رجل باع سلعة من رجل فقال له: أبعت السلعة التي بعت منك؟ قال له: لم أبع، قال: إن كنت لم تبعها فامرأته طالق البتة، فبحث عن ذلك فإذا السلعة قد بيع منها أكثرها وبقي منها شيء لم يبع.
قال: إن كان بقي منها شيء ولو جزء من مائة جزء فامرأته طالق البتة وكذلك لو أن رجلا قال امرأته طالق إن لم أهدم هذا البيت أو أكل هذا الطعام أو نحو هذا فلم يستوعب ما حلف عليه طلقت عليه امرأته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها مثل ما في، المدونة وغيرها على أصولهم في البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه بخلاف الحنث، وقد مضى القول في الفرق بين الوجهين في رسم العرية وآخر رسم لم يدرك فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.

.مسألة قال لامرأته إن تزوجت عليك فالتي أتزوج عليك طالق البتة:

سئل عن رجل قال لامرأته إن تزوجت عليك فالتي أتزوج عليك طالق البتة، ثم قال لها بعد ذلك: إن وطئت حراما فأنت طالق فتزوج عليها امرأة فوطئها هل تراه حانثا فيهما جميعا؟ قال: ما أرى أن تطلق عليه إلا التي تزوج، وأما التي كانت عنده فلا أرى الطلاق يقع عليه فيها؛ لأنه لم يحلف على مثل هذا الحرام، وإنما أراد الزنا وهذه المرأة التي يقع عليه فيها الطلاق قد اختلف في أمرها، قد قال ناس لا يمين لرجل فيما لم يتزوج فلا أراه حانثا في امرأته الأولى وولدها يلحقه والصداق يلزمه فيها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصولهم في مراعاة الخلاف لأن الخلاف فيه قوي مشهور، والقائل به تعلق بما يروى عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من قوله: «لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك» وقد قال ابن القاسم في سماع أبي زيد عنه مراعاة لهذا الخلاف: إنه لا يفرق بينهما إذا دخلا، والمشهور أنه يفرق بينهما وأنهما لا يتوارثان إن مات أحدهما قبل أن يعثر على ذلك هو اختيار ابن القاسم في آخر رسم الرهون بعد هذا ودليل ما في المدونة، وذهب ابن حبيب إلى أنه لا ميراث بينهما وإلى أنه يحد ولا يلحقه الولد إن كان هذا بالشرط، فعلى قياس قوله يحنث الحالف في هذه المسألة وهو بعيد وبالله التوفيق.

.مسألة سأل امرأته سلفا فأبت فقال امرأته طالق البتة إن أخذت منها درهما:

وسئل عن رجل سأل امرأته سلفا فأبت عليه وعندها مال ناض فقال: امرأته طالق البتة إن أخذت منها درهما، ثم مكث زمانا ثم اشترت بالمال عروضا وبيعت تلك العروض وصارت في عروض غيرها ثم أخذ من ثمن تلك العروض قدر نصف درهم أو نحوه فقضى به دينه وانتفع به ولم يكن له حين حلف نية.
قال ابن القاسم: فلا أرى عليه حنثا إلا أن تكون كانت نيته ألا يقرب من مالها شيئا.
قال محمد بن رشد: قال ابن دحون في هذه المسألة: معناها أنه إذا أراد أن لا يأخذ من تلك الدراهم بعينها شيئا فلذلك لم يحنثه إذ زالت عينها وتبدلت بسواها فلو أخذ أكثر من درهم لم يحنث أيضا، ولو لم يرد الدراهم بعينها لحنث بأقل من نصف درهم، ولو كانت نيته ألا يأخذ منها درهما فما فوقه لم يحنث إذا أخذ أقل من درهم، وقوله صحيح في المعنى، إلا أنه ليس في المسألة ما يدل على أنه أراد أعيان الدراهم فإنما معناها أنه راعى اللفظ ولم ينظر إلى البساط والمعنى، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك وأصحابه إلا أن المشهور من مذهبه ومذاهبهم مراعاة البساط والمعنى في اليمين، وقد ذكرنا هذا في غير ما موضع، وإلى هذا التأويل ذهب ابن لبابة فقال: إنما لم يحنثه من أجل أنه لم يأخذ إلا أقل من درهم وبالله التوفيق.

.مسألة شجر بين الرجل وبين بائع الخادم أمر فحلف بطلاق امرأته أن يخرجها من بيته:

وسئل عن رجل دعته ختنته أن يشتري هو وهي خادما لابنتها يخرجان الثمن جميعا فاشترياها، فشجر بين الرجل وبين بائع الخادم أمر فحلف بطلاق امرأته أن يخرجها من بيته ففعل، وإن الختنة استتمت الثمن فأرادت أن تردها إلى بيته حين كملت الختنة الثمن كله.
فقال: لا يدخلها في بيته فإن فعل حنث.
قال محمد بن رشد: لم يحمل يمينه في هذه المسألة على ما يقتضيه اللفظ من مجرد الإخراج فيبرئه ولا يحنث في ردها إلى بيته، كالحالف على غيره لينتقلن عن داره، وحملها على أنه إنما أراد ألا تكون في بيته ولا يستخدم بها لأنها تشبه مسألة الشاة في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب النذور، وقد مضى القول هناك على الفرق بين المسألتين، فهو بعينه فرق أيضا بين هذه ومسألة الانتقال ولو كان إنما كره أن يخرج فيها من عنده شيئا من ثمنها لشيء شجر بينه وبين ختنته فخرجت يمينه على ذلك لم يحنث إذا اشترتها الختنة من مالها وردتها إلى بيته والله أعلم.

.مسألة يبيع العبد من الرجل إلى أجل ويتخذ عليه يمينا أن يوفيه الثمن إلى أجل فيوجد بالعبد عيب:

وسئل عن الرجل يبيع العبد من الرجل إلى أجل ويتخذ عليه يمينا أن يوفيه الثمن إلى أجل فيوجد بالعبد عيب قبل الأجل يرد من مثله فيرده.
قال: لا يخرجه من يمينه إلا أن يقضي الثمن ثم يخاصمه، وكذلك في جميع السلع.
قال محمد بن رشد: حنثه في هذه المسألة بما يقتضيه اللفظ، ولم يلتفت إلى المعنى، ومثله في رسم إن أمكنني بعد هذا وقد قيل إنه لا يحنث لأنه إنما حلف ليوفينه الثمن، وهو المشهور في المذهب، وبالله التوفيق.

.مسألة سلف مائة دينار في قمح إلى أجل واتخذ عليه بالطلاق أن يوفيه إلى أجل فاستقاله:

وسألته عن رجل سلف مائة دينار في قمح أو سلعة من السلع إلى أجل واتخذ عليه بالطلاق أن يوفيه إلى أجل فاستقاله صاحب الدنانير مما اشترى منه قبل الأجل فأقاله.
فقال: لا أحب أن يصنع هذا فإن وقع وكان في الدنانير يوم ردها وفاء لثمن السلعة التي كانت عليه عند الناس فأرجو ألا يكون حانثا، وإن كانت السلعة أكثر ثمنا من الدنانير فإنه حانث، قلت له: فإن رد عليه الدنانير وأقر البيع على حاله؟ قال: لا ينفعه ذلك وهو حانث لأنه بيع مبتدأ لأنه لو أبى ذلك أحدهما لم يجبر على ذلك، وإنما هو بيع مبتدأ، قال: ولو كان أعطاه تلك السلعة بعد الأجل بعد هذا الذي وصفت لك عطية أو صدقة لم يخرجه ذلك من يمينه، وكان حانثا لأنه خرج من الوجه الذي حلف فيه، قال: وكذلك يبلغني من قول مالك.
قال محمد بن رشد: هذا بين صحيح على معنى ما في المدونة في الذي يحلف ليقضين رجلا حقه أو ليقضينه دنانيره فقضاه عرضا أنه لا حنث عليه إن كان فيه وفاء لحقه إلا أن مالكا استثقله وخشي عليه الحنث وقال: إن كان فيه وفاء فلم لا يعطيه دنانيره؟ فكذلك هي المسألة سواء لا حنث عليه إن كان رأس المال الذي أخذه منه في الإقالة فيه وفاء بما كان له عليه من القمح أو السلعة فلا حنث عليه، وسواء حلف ليقضينه حقه أو ليقضينه ما سلف فيه إلا أن ينوي أن يقضيه الطعام والسلعة بعينها فيحنث إن أقاله وإذا لزمه الحنث فلا يسقط عنه رد الدنانير إليه فيما كان له عليه ولا عطية ذلك له هبة أو صدقة كما قال؛ لأنه أمر قد فات يلزم الطلاق منه وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بطلاق امرأته ألا يتزوج عليها فيتزوج امرأة ثم يطلقها:

وسألته عن الرجل يحلف بطلاق امرأته ألا يتزوج عليها فيتزوج امرأة ثم يطلقها أو تموت قبل أن يمسها هل تراه حانثا؟.
قال: نعم هو حانث ساعة يملك عقدتها مس أو لم يمس، قال: ولو كان حلف بالطلاق أن يتزوج عليها فتزوج امرأة فماتت أو طلقها قبل أن يمسها فإنه لا يخرج من يمينه حتى يتزوج امرأة يمسها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصولهم في أن الحنث يقع بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وقد مضى القول على هذا في رسم لم يدرك وغيره فلا معنى لإعادته، ولا يبر بالدخول أيضا إلا أن تكون المرأة التي تزوجها تشبه مناكحه، وأما إن كانت المرأة التي تزوج لا تشبه مناكحه مثل الأمة والمرأة الدنية فلا يبر بنكاحها والدخول بها كذلك، رواه محمد بن يحيى الشيباني عن مال. وعيسى عن ابن القاسم في المدنية وقاله ابن كنانة أيضا، واختلفوا هل يحلها هذا النكاح لزوج كان طلقها أيضا ثلاثا؟ فقال ابن كنانة: لا يحلها كانت تشبه مناكحه أو لا تشبه، وقال ابن القاسم: يحلها كانت تشبه مناكحه أو لا تشبه، وقيل: إن ذلك على قياس البر والحنث أنها إن كانت تشبه مناكحه أحلها وإن كانت لا تشبه مناكحه لا يحلها، وقد قيل: إنه لا يبر إذا تزوجها ليبر يمينه ولا يمسكها وإنما يبر إذا تزوجها نكاح رغبة ثم طلقها بعد الدخول لأمر لم تنعقد نيته عليه حين العقد وبالله التوفيق.